٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


خاتمة مبحث النسخ ككل

"النسخ في الشريعة قليل"

فقد أوردها الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه "الموافقات"، واستدل على: أنّ النسخ في الشريعة قليل بوجوه أربعة:
أن الأحكام الشرعية التي نزلت بمكة أحكام كُلية وقواعد عامة؛ وهذا يقتضى بأن النسخ فيها قليل لا كثير، لأن النسخ لا يكون في الكليات، وإن كان ممكناً عقلاً.
أن الأحكام إذا ثبتت اعلى المكلف فادّعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولاً محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق.
أنّ معظم ما ادّعي فيه النسخ إذا تؤمِّل وُجد أنه متنازع فيه، ويمكن الجمع بين ما ظاهرهما التعارض، وذلك عن طريق بيان المجمل، أو تخصيص العام، أو تغير المطلق وما أشبه ذلك... إذاً النسخ في الشريعة قليل، ونظن أنه منسوخ أو فيه نسخ عند التأمل، تجده من الأمور المتنازع فيها.

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ عند الأصوليين. لأن بعض الناس يفهم خطأً: أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل: نسخ، والأمر ليس كذلك.

ما يتناوله الناسخ

بمعنى: هل النسخ يتناول كل شيء، أو له مجال معيّن؟ وهذه المسألة في الواقع: توضيح وبيان للمسألة السابقة يعني: مسألة أن النسخ في الشريعة قليل.
إذاً أنتم تعرفون: أن الشريعة أحكام وغير أحكام. فالنسخ يتعلق بالأحكام؛ وهذا محل اتفاق بين القائلين بالنسخ لكن في خصوص ما كان من العبادات والمعاملات، لأن الأحكام تشمل أشياء كثيرة: عبادات ومعاملات، وحدود وقصاص وجنايات، وأحكام أسرة ونحو ذلك...
فالعلماء يقولون: إن النسخ نطاقه ضيّق يتعلق بالأحكام وخصوص أحكام معيّنة وهي: ما كان من العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة، فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء.

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


ثم إن نسخ لفظ الخبر دون مدلوله فهذا جائز بإجماع من قال بالنسخ. يعني: يجوز نسخ لفظ الخبر دون مدلوله. يعني: يبقى مدلول الخبر، وينسخ لفظ الخبر.
ولذلك صورتان:
إحداهما: أن تنزل الآية مُخبرة عن شيء، ثم تنسخ تلاوتها فقط.
والصورة الثانية: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به.
وأمّا الخبر الذي ليس محضاً، فإن كان في معنى الإنشاء ودل على أمر أو نهي متعلقاً بأحكام فرعية عملية، فلا نزاع فيه في جواز نسخه والنسخ به لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ.
وبالمثال يتضح المقال: مثال الخبر بمعنى الأمر: قول الله تعالى في سورة (يوسف): (( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً)) [يوسف: ٤٧] فإن معناه: ازرعوا. الآية خرجت مخرج الخبر ومراد بها الأمر.
ومثال الخبر الذي بمعنى النهي، يعني: الآية تخرج مخرج الخبر وحاصلها النهي. مثال ذلك: قول الله تعالى في سورة (النور): (( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)) [النور: ٣]، فإن معناه: لا تنكحوا مشركة ولا زانية ولا تنكحوهما، لكن على بعض وجوه الاحتمالات دون بعض. وربما يسأل سائل: ما الفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها؟

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


فهل هناك فرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها؟ الفرق: أن فروع العبادات والمعاملات: ما تعلّق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد، أو هي كمياتها وكيفياتها.
وأما أصول العبادات والمعاملات فهي: ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف. فكأن النسخ قد يرد على الهيئة وعلى الشكل وعلى الكيفية، وعلى المكان وعلى الزمان، وعلى العدد؛ لكنه لا يرد على ذات العبادة وعلى ذات المعاملة.

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


انتهاء النسخ بانتهاء الوحي

وهذه المسألة أوردها بعض المفسرين كابن العربي، وابن جرير الطبري، وأشار إليها ابن حزم -رحمه الله- في "إحكامه".
وتوضيح ذلك نقول: يقول ابن العربي: الكلام الآن في انتهاء النسخ بانتهاء الوحي، يعني: إذا ما انتهى الوحي أو انتهى زمن الوحي، ينتهي النسخ. فلا نسخ إلا في زمن الوحي. وهذا كلام مسلّم ومقرّر لكم قبل ذلك.
فيقول ابن العربي في "أحكام القرآن" عند تفسير قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)) [المائدة: ٣].: "اليوم أكملت لكم الفرائض وانقطع النسخ".
وكلام ابن جرير الطبري -رحمه الله- في تفسيره قريب من كلام ابن العربي في "أحكام القرآن"، حيث يقول في تفسير نفس الآية: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)): "اليوم أكملت لكم -أيها المؤمنون- فرائضي عليكم، وحدودي وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني لكم منه بوحي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم هي الحاجة إليه من أمر دينكم. فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم. وكان ذلك في يوم عرفة عام حج النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع. ولم ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه".

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


هذا الكلام من ابن جرير كما سمعت يُستفاد منه: أن النسخ ينتهي بانتهاء الوحي. فبعد كمال الدين وبعد تمام النعمة، فالله -تبارك وتعالى- لم ينزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم- شيئاً من الفرائض، ولا من الأمور المحللة، ولا من الأمور المحّرمة. فهذا الكلام مفهومه: بانتهاء الوحي ينتهي إنزال الحلال والحرام، وإنزال شيء جديد من الفرائض، أي: ينتهي نسخ ما ثبت حُكمه بنزول الوحي.
فالتشريع الإسلامي كما تعلمون مرّ بفترتين: فترة وجود النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو عصر يُعرف بعصر النبوة، وفيه كان ينزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. والفترة الثانية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-. وليس للتشريع الإسلامي في زمن النبي مصدر إلا الوحي بقسميه: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
والوحي كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأحكام إما ابتداءً، وإما جواباً على سؤال. وإذا ما تأخر الوحي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجتهد، ثم ينزل الوحي بعد ذلك إما مُقراً لاجتهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- إن كان صواباً، وإما مصحِّحاً له إن كان غير صواب.
إذاً فالتشريع في عهد النبي ليس له سلطة ولا مصدر إلا الوحي؛ فعلى ذلك أنت تستطيع أن تقرّر: أنه بانتهاء زمن الرسول -عليه الصلاة والسلام- ينتهي نزول الوحي، وبالتالي ينتهي النسخ، لأن النسخ مرتبط بالوحي إذ لا نسخ إلا بنص، والنص إما قرآن وإما سُنة، وبعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يبقى وحي قرآن ولا وحي سنة.

٢.٢٢ ما يتناوله الناسخ، وانتهاء النسخ بانتهاء الوحي


ولهذا يفهم من كلام ابن جرير الطبري -رحمه الله-: أنه بانتهاء الوحي ينتهي إنزال الحلال والحرام وشيء جديد من الفرائض، أي: ينتهي نسخ ما ثبت حكمه بنزول الوحي؛ حيث إن النسخ رفع ما ثبت من الأحكام الفرعية العملية أي: المتعلقة بأفعال العباد.
وهذا المعنى أشار إليه ابن حزم أيضاً -رحمه الله- عندما تكلم عن: كيف يعُلم المنسوخ والناسخ؛ حيث قال -رحمه الله-: بعد أن أورد عدة آيات منها قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)) ثم ذكر شواهد قاطعة بأنه لا يجوز البتة أن يكون الله تعالى تركنا في عمياء وضلالة لا ندري معها أبداً هل هذا الحكم منسوخ أو غير منسوخ، والله تعالى إذا أراد إعلامنا بشيء فيعلمنا عن طريق رسوله -صلى الله عليه وسلم- بنزول وحيه، إذاً لا ناسخ ولا منسوخ بعد انقطاع الوحي.
وبهذا نكون قد أتينا على المسألة الثالثة وهي: أن النسخ ينتهي بانتهاء الوحي.